تنزیه الانبیاء و الائمة للسید المرتضی


                        تنزيه الأنبياء، ص: 2
المقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الحمد لله كما هو أهله و مستحقه و صلى الله على خيرته من خلقه على عباده محمد و آله الأبرار الطاهرين الذين أذهب الله عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا سألت أحسن الله توفيقك إملاء كتاب في تنزيه الأنبياء و الأئمة ع- عن الذنوب و القبائح كلها ما سمي منها كبيرا أو صغيرا و الرد على من خالف في ذلك على اختلافهم و ضروب مذاهبهم و أنا أجيب إلى ما سألت على ضيق الوقت و تشعب الفكر و أبتدئ بذكر الخلاف في هذا الباب ثم بالدلالة على المذهب الصحيح من جملة ما أذكره من المذاهب ثم بتأويل ما تعلق به المخالف من الآيات و الأخبار التي اشتبه عليه وجهها و ظن أنها تقتضي وقوع كبيرة أو صغيرة من الأنبياء و الأئمة ع و من الله تعالى أستمد المعونة و التوفيق و إياه أسأل التأييد و التسديد اختلف الناس في الأنبياء ع فقالت الشيعة الإمامية لا يجوز عليهم شي‏ء من المعاصي و الذنوب كبيرا كان أو صغيرا لا قبل النبوة و لا بعدها و يقولون في الأئمة مثل ذلك و جوز أصحاب الحديث و الحشوية على الأنبياء الكبائر قبل‏
                        تنزيه الأنبياء، ص: 3
النبوة و منهم من جوزها في حال النبوة سوى الكذب فيما يتعلق بأداء الشريعة و منهم من جوزها كذلك في حال النبوة بشرط الاستسرار دون الإعلان و منهم من جوزها على الأحوال كلها و منعت المعتزلة من وقوع الكبائر و الصغائر المستخفة من الأنبياء ع قبل النبوة و في حالها و جوزت في الحالين وقوع ما لا يستخف من الصغائر ثم اختلفوا فمنهم من جوز على النبي ص الإقدام على المعصية الصغيرة على سبيل العمد و منهم من منع ذلك و قال إنهم لا يقدمون على الذنوب التي يعلمونها ذنوبا بل على سبيل التأويل و حكي عن النظام و جعفر بن مبشر و جماعة ممن تبعهما أن ذنوبهم لا تكون إلا على سبيل السهو و الغفلة و أنهم مؤاخذون بذلك و إن كان موضوعا عن أممهم بقوة معرفتهم و علو مرتبتهم و جوزوا كلهم و من قدمنا ذكره من الحشوية و أصحاب الحديث على الأئمة الكبائر و الصغائر إلا أنهم يقولون إن بوقوع الكبيرة من الإمام تفسد إمامته و يجب عزله و الاستبدال به و اعلم أن الخلاف بيننا و بين المعتزلة في تجويزهم الصغائر على الأنبياء ص يكاد يسقط عند التحقيق لأنهم إنما يجوزون من الذنوب ما لا يستقر له استحقاق عقاب و إنما يكون حظه تنقيص الثواب على اختلافهم أيضا في ذلك لأن أبا علي الجبائي يقول إن الصغير يسقط عقابه بغير موازنة فكأنهم معترفون بأنه لا يقع منهم ما يستحقون به الذم و العقاب و هذه موافقة للشيعة في المعنى لأن الشيعة إنما تنفي عن الأنبياء ع جميع المعاصي من حيث كان كل شي‏ء منها يستحق به فاعله الذم و العقاب لأن الإحباط باطل عندهم و إذا بطل الإحباط فلا معصية إلا و يستحق فاعلها الذم و العقاب فإذا كان استحقاق الذم و العقاب منفيا عن الأنبياء ع وجب أن ينفي عنهم سائر الذنوب و يصير الخلاف بين الشيعة و المعتزلة متعلقا بالإحباط فإذا بطل الإحباط فلا بد من الاتفاق على أن شيئا
                        تنزيه الأنبياء، ص: 4
من المعاصي لا يقع من الأنبياء ع من حيث يلزمهم استحقاق الذم و العقاب لكنه يجوز أن نتكلم في هذه المسألة على سبيل التقدير و نفرض أن الأمر في الصغائر و الكبائر على ما تقوله المعتزلة و متى فرضنا ذلك لم نجوز أيضا عليهم الصغائر لما سنذكره و نبينه إن شاء الله تعالى. و اعلم أن جميع ما ننزه الأنبياء ع عنه و نمنع من وقوعه منهم يستند إلى دلالة العلم المعجز إما بنفسه أو بواسطة و تفسير هذه الجملة أن العلم المعجز إذا كان واقعا موقع التصديق لمدعي النبوة و الرسالة و جاريا مجرى قوله تعالى له صدقت في أنك رسولي و مؤد عني فلا بد من أن يكون هذا المعجز مانعا من كذبه على الله سبحانه في ما يؤديه عنه لأنه تعالى لا يجوز أن يصدق الكذاب لأن تصديق الكذاب قبيح كما أن الكذب قبيح فأما الكذب في غير ما يؤديه عن الله و سائر الكبائر فإنما دل المعجز على نفيها من حيث كان دالا على وجوب اتباع الرسول و تصديقه فيما يؤديه و قبوله منه لأن الغرض في بعثة الأنبياء ع و تصديقهم بالإعلام المعجز هو أن يمتثل ما يأتون به فما قدح في الامتثال و القبول و أثر فيهما يجب أن يمنع المعجز منه فلهذا قلنا إنه يدل على نفي الكذب و الكبائر عنهم في غير ما يؤدونه بواسطة و في الأول يدل بنفسه فإن قيل لم يبق إلا أن تدلوا على أن تجويز الكبائر يقدح فيما هو الغرض بالبعثة من القبول و الامتثال قلنا لا شبهة في أن من نجوز عليه كبائر المعاصي و لا نأمن منه الإقدام على الذنوب لا تكون أنفسنا ساكنة إلى قبول قوله أو استماع وعظه كسكونها إلى من لا نجوز عليه شيئا من ذلك و هذا هو معنى قولنا إن وقوع الكبائر ينفر عن القبول و المرجع فيما ينفر و ما لا ينفر إلى العادات و اعتبار ما تقتضيه و ليس ذلك مما يستخرج بالأدلة و المقاييس و من رجع إلى العادة علم ما ذكرناه و أنه من أقوى ما ينفر عن قبول القول فإن حظ الكبائر في هذا الباب لم يزد على حظ السخف و المجون و الخلاعة و لم ينقص منه فإن قيل أ فليس‏
                        تنزيه الأنبياء، ص: 5
قد جوز كثير من الناس على الأنبياء ع الكبائر مع أنهم لم ينفروا عن قبول قولهم و العمل بما شرعوه من الشرائع و هذا ينقض قولكم إن الكبائر منفرة قلنا هذا سؤال من لم يفهم ما أوردناه لأنا لم نرد بالتنفير ارتفاع التصديق و أن لا يقع امتثال الأمر جملة و إنما أردنا ما فسرناه من أن سكون النفس إلى قبول قول من يجوز ذلك عليه لا يكون على حد سكونها إلى من لا يجوز ذلك عليه و إنا مع تجويز الكبائر نكون أبعد من قبول القول كما أنا مع الأمان من الكبائر نكون أقرب إلى القبول و قد يقرب من الشي‏ء ما لا يحصل الشي‏ء عنده كما يبعد عنه ما لا يرتفع عنده أ لا ترى أن عبوس الداعي للناس إلى طعامه و تضجره و تبرمه منفر في العادة عن حضور دعوته و تناول طعامه و قد يقع مع ما ذكرناه الحضور و التناول و لا يخرجه من أن يكون منفرا و كذلك طلاقة وجهه و استبشاره و تبسمه يقرب من حضور دعوته و تناول طعامه و قد يرتفع الحضور مع ما ذكرناه و لا يخرجه من أن يكون مقربا فدل على أن المعتبر في باب المنفر و المقرب ما ذكرناه دون وقوع الفعل المنفر عنه أو ارتفاعه فإن قيل فهذا يقتضي أن الكبائر لا تقع منهم في حال النبوة فمن أين أنها لا تقع منهم قبل النبوة و قد زال حكمها بالنبوة المسقطة للعقاب و الذم و لم يبق وجه يقتضي التنفير قلنا الطريقة في الأمرين واحدة لأنا نعلم أن من يجوز عليه الكفر و الكبائر في حال من الأحوال و إن تاب منهما و خرج من استحقاق العقاب به لا نسكن إلى قبول قوله كسكوننا إلى من لا يجوز ذلك عليه في حال من الأحوال و لا على وجه من الوجوه و لهذا لا يكون حال الواعظ الداعي إلى الله تعالى و نحن نعرفه مقارفا للكبائر مرتكبا لعظيم الذنوب و إن كان قد فارق جميع ذلك و تاب منه عندنا و في نفوسنا كحال من لم نعهد منه إلا النزاهة و الطهارة و معلوم ضرورة الفرق بين هذين الرجلين فيما يقتضي السكون و النفور و لهذا كثيرا
                        تنزيه الأنبياء، ص: 6
ما يعير الناس من يعهدون منه القبائح المتقدمة بها و إن وقعت التوبة منها و يجعلون ذلك عيبا و نقصا و قادحا و مؤثرا و ليس إذا كان تجويز الكبائر قبل النبوة منخفضا عن تجويزها في حال النبوة و ناقصا عن رتبته في باب التنفير وجب أن لا يكون فيه شي‏ء من التنفير لأن الشيئين قد يشتركان في التنفير و إن كان أحدهما أقوى من صاحبه أ لا ترى أن كثير السخف و المجون و الاستمرار عليهما و الانهماك فيهما منفر لا محالة و أن القليل من السخف الذي لا يقع إلا في الأحيان و الأوقات المتباعدة منفر أيضا و أن فارق الأول في قوة التنفير و لم يخرجه نقصانه في هذا الباب من الأول من أن يكون منفرا في نفسه فإن قيل فمن أين قلتم إن الصغائر لا تجوز على الأنبياء في حال النبوة و قبلها قلنا الطريقة في نفي الصغائر في الحالتين هي الطريقة في نفي الكبائر في الحالتين عند التأمل لأنا كما نعلم أن من يجوز كونه فاعلا لكبيرة متقدمة قد تاب منها و أقلع عنها و لم يبق معه شي‏ء من استحقاق عقابها و ذمها لا يكون سكوننا إليه كسكوننا إلى من لا يجوز عليه ذلك و كذلك نعلم أن من يجوز عليه الصغائر من الأنبياء ع أن يكون مقدما على القبائح مرتكبا للمعاصي في حال نبوته أو قبلها و إن وقعت مكفرة لا يكون سكوننا إليه كسكوننا إلى من نأمن منه كل القبائح و لا نجوز عليه فعل شي‏ء منها فأما الاعتذار في تجويز الصغائر بأن العقاب و الذم عنها ساقطان فليس بشي‏ء لأنه لا معتبر في باب التنفير بالذم و العقاب حتى يكون التنفير واقعا عليهما أ لا ترى أن كثيرا من المباحات منفر و لا ذم عليه و لا عقاب و كثيرا من الخلق و الهيئات منفر و هو خارج عن باب الذم على أن هذا القول يوجب على قائله تجويز الكبائر عليهم قبل البعثة لأن التوبة و الإقلاع أزال الذم و العقاب الذين يقف التنفير على هذا القول عليهما فإن قيل كيف تنفر الصغائر و إنما حظها تقليل الثواب و تنقيصه لأنها
                        تنزيه الأنبياء، ص: 7
بكونها صغائر قد خرجت من اقتضاء الذم و العقاب و معلوم أن قلة الثواب غير منفرة أ لا ترون أن الأنبياء ع قد يتركون كثيرا من النوافل مما لو فعلوه لاستحقوا كثيرا من الثواب و لا يكون ذلك منفرا عنهم قلنا إن الصغائر لم تكن منفرة من حيث قلة الثواب معها بل إنما كانت كذلك من حيث كانت قبائح و معاصي لله تعالى و قد بينا أن الملجأ في باب المنفر إلى العادة و الشاهد و قد دللنا على أنهما يقضيان بتنفير جميع الذنوب و القبائح على الوجه الذي بيناه و بعد فإن الصغائر في هذا الباب بخلاف الامتناع من النوافل لأنها تنقص ثوابا مستحقا ثابتا و ترك النوافل ليس كذلك و فرق واضح في العادة بين الانحطاط عن رتبة ثبتت و استحقت و بين فوتها و أن لا تكون حاصلة جملة أ لا ترى أن من ولي ولاية جليلة و ارتقى إلى رتبة عالية يؤثر في حاله العزل عن تلك الولاية و الهبوط عن تلك الرتبة و لا يكون حاله هذه كحاله لو لم ينل تلك الولاية و لا ارتقى إلى تلك الرتبة و هذا الكلام الذي ذكرناه يبطل قول من جوز على الأنبياء ع الصغائر على اختلاف مذاهبهم في تجويز ذلك على سبيل العمد أو التأويل إلا أن أبا علي الجبائي و من وافقه في قوله إن ذنوب الأنبياء لا تكون عمدا و إنما يقدمون عليها تأولا و يمثل ذلك بقصة آدم ع فإنه نهي عن جنس الشجرة دون عينها فتأول فظن أن النهي يتناول العين فلم يقدم على المعصية مع العلم بأنها معصية قد ناقض فإنه إنما ذهب إلى هذا المذهب تنزيها للأنبياء ع و اعتقاد أن تعمد المعصية يوجب كبرها فنزهه عن معصية و أضاف إليه معصيتين لأنه مخطئ على مذهبه في الإعراض عن تأمل مقتضى النهي و هل يتناول الجنس أو العين لأن ذلك واجب عليه و مخطئ في التناول من الشجرة و هاتان معصيتان و بعد فإن تعمد المعصية ليس يجب أن يكون مقتضيا لكبرها لا محالة لأنه لا يمتنع أن يكون مع التعمد يصاحبه من الخوف و الوجل‏
                        تنزيه الأنبياء، ص: 8
ما يوجب صغرها و يمنع من كبرها و ليس له أن يقول إن النظر فيما كلفه من الامتناع من الجنس أو النوع لم يكن واجبا عليه لأن ذلك إن لم يكن واجبا عليه فكيف يكون مكلفا و كيف يكون تناوله معصية و لا بد على هذا من أن يخطر الله تعالى بباله ما يقتضي وجوب النظر في ذلك عليه و إذا وجب عليه النظر و لم يفعله فقد تعمد الإخلال بالواجب و لا فرق في باب التنفير بين الإقدام على المعصية و الإخلال بالواجب فإذا جاز عنده أن يتعمد الإخلال بالواجب و لا يكون منه كبيرا جاز أن يتعمد منه نفس التناول و لا يكون منه كبيرا فأما ما حكيناه عن النظام و جعفر بن مبشر و من وافقهما من أن ذنوب الأنبياء ع تقع منهم على سبيل السهو و الغفلة و أنهم مع ذلك مؤاخذون بها فليس بشي‏ء لأن السهو يزيل التكليف و يخرج الفعل من أن يكون ذنبا مؤاخذا به و لهذا لا يصح مؤاخذة المجنون و النائم و حصول السهو في أنه مؤثر في ارتفاع التكليف بمنزلة فقد القدرة و الآلات و الأدلة فلو جاز أن يخالف حال الأنبياء ع في صحة تكليفهم مع السهو جاز أن يخالف حالهم لحال أمتهم في جواز التكليف مع فقد سائر ما ذكرنا و هذا واضح فأما الطريق الذي به يعلم أن الأئمة ع لا يجوز عليهم الكبائر في حال الإمامة فهو أن الإمام إنما احتيج إليه لجهة معلومة و هي أن يكون المكلفون عند وجوده أبعد من فعل القبيح و أقرب من فعل الواجب على ما دللنا عليه في غير موضع فلو جازت عليه الكبائر لكانت علة الحاجة إليه ثابتة فيه و موجبة وجود إمام يكون إماما له و الكلام في إمامته كالكلام فيه و هذا يؤدي إلى وجود ما لا نهاية له من الأئمة و هو باطل أو الانتهاء إلى إمام معصوم و هو المطلوب و مما يدل أيضا على أن الكبائر لا يجوز عليهم أن قولهم ع قد ثبت أنه حجة في الشرع كقول الأنبياء ع بل يجوز أن ينتهي الحال إلى أن الحق لا يعرف إلا من جهتهم و لا يكون الطريق إليه إلا من أقوالهم على ما بيناه‏
                        تنزيه الأنبياء، ص: 9
في مواضع كثيرة و إذا ثبت هذه الجملة جروا مجرى الأنبياء ع فيما يجوز عليهم و ما لا يجوز فإذا كنا قد بينا أن الكبائر و الصغائر لا يجوزان على الأنبياء ع قبل النبوة و لا بعدها لما في ذلك من التنفير عن قبول أقوالهم و لما في تنزيهم عن ذلك من السكون إليهم فكذلك يجب أن يكون الأئمة ع منزهين عن الكبائر و الصغائر قبل الإمامة و بعدها لأن الحال واحدة و إذ قد قدمنا ما أردنا تقديمه في هذا الباب فنحن نبتدئ بذكر الكلام على ما تعلقوا به من جواز الكبائر على الأنبياء ع من الكتاب‏
مصدر:ال
صور ذات الصلة :
الكلمات الدالة : قسم احیاء التراث , السید المرتضی , الاثار العلمیه , قسم إحياء التراث الإسلامي مركز الأبحاث و الدراسات الإسلاميّة

تاريخ الأخبار: 1398/6/3 يكشنبه
مجموع الزيارات : 10 عدد مشاهدة اليوم: 1
[Control]
تعداد بازديد اين صفحه: 11
خانه | بازگشت | حريم خصوصي كاربران |
Guest (PortalGuest)


Powered By : Sigma ITID