التبعات الثقافیة والحضاریة لظاهرة التکفیر

لا بد من احتکاک عقلیة التیار التنویری بظاهرة التکفیر

انعقد مؤتمر الخامس والعشرین العلمی لمعرفة السلفیة ونقدها العلمی تحت عنوان «التبعات الثقافیة والحضاریة لظاهرة التکفیر»، فی مرکز أئمة الأطهار (ع) التخصصی، وقد أبدى حجة الإسلام والمسلمین الدکتور محمد تقی سبحانی وجهات نظره فی هذا المجال.
عضو الهیئة العلمیة للمعهد العالی للعلوم والثقافة الإسلامیة:
لا بد من احتکاک عقلیة التیار التنویری بظاهرة التکفیر


انعقد مؤتمر الخامس والعشرین العلمی لمعرفة السلفیة ونقدها العلمی تحت عنوان «التبعات الثقافیة والحضاریة لظاهرة التکفیر»، فی مرکز أئمة الأطهار (ع) التخصصی، وقد أبدى حجة الإسلام والمسلمین الدکتور محمد تقی سبحانی وجهات نظره فی هذا المجال.
 

أهمیة وضرورة النظرة الحضاریة

وقد شرع الدکتور سبحانی کلمته مشیراً إلى المنهج المتداول فی مناقشة التیارات السلفیة والتکفیریة، وقال: «إن مناقشة قضیة التکفیر من الناحیة الفکریة سواء کانت من خلال التبیین أو عن طریق النقد، فکلا المنهجین یتطرق لهذا البحث بصبغة فقهیة وکلامیة.» کما وأشار الدکتور سبحانی على أنّ المنهج النقدی غیر نافع لدلائل مختلفة. ثم تناول سماحته مناقشة التکفیر عبر الجانب الحضاری له، وردّ على هذا السؤال: ما هی الحضارة؟
فقال سماحته: «للحضارة جهتان مختلفتان، فتارة یعتنى بالجهة الأولى وتارة بالثانیة، وتارة بکلتیهما، فالجهة الأولى من الحضارة  تعنی مبنىً منسجماً ومنظماً متکوناً من عناصر أساسیة ورمزیة». ثم بدأ بشرح المصطلحات الرئیسیة فی تعریف الحضارة، وقال: «إن مسیرة الحضارة لها محوران أساسیان: المؤسسات والرموز، فالرموز تعبر عن أشکال ومظاهر لما تکمن فی ذات الحضارة وماهیتها الباطنیة کالهندسة المعماریة للمبانی والعمارات، والمؤسسات هی حصیلة مبنى الحضارة ومن خلالها تتمکن من حل مشاکلها.»
فبناء على هذا التعریف، إن الحضارة تبرز إلى أرض الواقع عندما جماعة یقومون بتصحیح أنفسهم وضمائرهم بناءًا على قیمهم النفسیة، وذلک بواسطة عقیدة وفکرة ما مبنیة على خبرة واقعیة وبیئیة للعالم الخارج  من الذهن، فلا تتکون الحضارة إلّا حینما تتألف جماعة من الناس بناءًا على مجموعة من القیم کمادة رئیسیة تمنحهم هویة واستقلالیة؛ عموماً، فالحضارة الإسلامیة هی صورة لحیاة الإنسان المسلم، وقد أسست بناءًا على خلفیته الإسلامیة.
وناقش حجة الإسلام سبحانی ثمرة النقد الحضاری لظاهرة التکفیر کمحور آخر من کلمته، ومضى قائلاً: فمن هذه النافذة ومن خلال المناقشة الحضاریة لهذه الظاهرة، تنفتح هناک آفاق واسعة فی قضیة التکفیر، وبالتالی یتزاید المعارضون للتیار التکفیری؛ لأنّ الغایة من هذا النقد هو الکشف والتبیین لنظرة التکفیر تجاه العقلنة والنزعة الأخلاقیة.
ویرى الدکتور سبحانی عدم الاعتناء بالنقد الحضاری لظاهرة التکفیر هو السبب فی عدم ظهور تیار موّحد مناهض للتکفیر حتى الآن، فصرح: إننا ما تمکنا أن نوجه أفکار التیار التنویری إلى مناهضة التکفیر، وهذه مشکلة لم تغب حتى فی إیران، وتابع «إن التیار التکفیر لا یقول بأن الزیارة والإمامة تعتبران من الکفر، بل یقول إن حضارتکم وأسلمتکم لیست من الإسلام، وما نقوله نحن هو الإسلام الأصیل.»
 

ماهیة التکفیر

وفی جانب آخر من کلمته قدّم الدکتور سبحانی تفسیراً جذریاً لنزعة التکفیر والحضارة وتناقضاتهما، کما وأن فی الخطوة الأولى من کلمته قام بمناقشة وتعریف قضیة التکفیر مشیراً إلى أن الفکر التکفیری جاء عند ترسیم حدود الإیمان والکفر، وقال: إن قضیة التکفیر لیس لها علاقة مفهومیة لفکرة أو لمذهب خاص، فالتکفیر قبل أن یکون مفهوماً قیماً أو عقدیاً، فإنّه اتجاه ومنهج، کما وأنّه لیس مفهوماً أو موضوعاً مَعرفیاً؛  والأمرالثانی أن التکفیر لیس فکراً، بل اتجاهاً ومسلکاً عملیاً لمواجهة الظواهر وله مؤشرات خاص. وتحدث سبحانی عن نتائج هذه المقدمات، فقال منها:
ـ إنّ قضیة التکفیر لیست لها علاقة ببیئة دینیة أو شریعة أو فکر دینی، وبالمقدار الذی یمکن أن تنشأ فی مدرسة دینیة، أیضاً یمکن أن تظهر فی مدرسة وفکر مادی، وعلیه فنشاهد ظهورها فی الیهودیة والمسیحیة، و یمکن انطباقها فی عصر المعاصر على الاتجاهات الفاشیة والمارکسیة.
ـ إن قضیة التکفیر أکثر من أن تناقش من الناحیة الفقهیة أو الکلامیة لا بد من مناقشتها ونقدها من وجهة نظر المعرفیة، فلذا لا بد من البحث عن خلفیات نمو الأفکار التکفیریة وجذور بنائها، ونسیجها. بعبارة أخرى علینا أن نعالج أرضیات نمو وإتیان وتوجه الناس لهذا الفکر فی المجتمع، بدلاً من مناقشة أفکار محمد بن عبد الوهاب.
 

مؤشرات التیارات التکفیریة

وتحدث الدکتور السبحانی فی قسم آخر من کلمته عن مؤشرات التکفیر، وذکر هذه المؤشرات على النحو التالی:
النمطیة: إن أساس هذه النظریة عبارة من أن للحقیقة والمبادئ إطارات معلومة ومحددة، فبظهور تلک الصور تظهرالحقیقة أیضاً وإلّا فلا. وهناک نظریة أخرى تقابلها وهی النزعة المعنویة، وهذه النزعة تعتنی بالمعنى والباطن أکثر من اهتمامها للصورة والظاهر، وبناء علیه اطلق الکتّاب العرب مصطلحین متقابلین وهما مصطلح «التکفیر» و«التفکیر».
تبسیط الأمور: الفکر التکفیری یقول، إنّ فهم الشریعة والدین لا یحتاج إلى دراسة معمقة وواسعة ولا بحاجة إلى تحمل المعاناة والجهد لسنوات عدیدة من أجله، بل یمکن فهم جمیع الإسلام فی فترة وجیزة جداً؛ بمعنى أن الشریعة هی مجموعة من تعالیم بسیطة ومحددة، فمنذ البدایة هؤلاء یتحدثون عن الشریعیة الإسلامیة بأنّها مفاهیم بسیطة ولا تحتاج إلى تفسیر واجتهاد، تماماً مثل النظریة المارکسیة التی تفسّر الدنیا على خمسة مبادئ حتى أنها فی بدء أمرها تمکنت أن تغری وتجتذب قسماً من الشباب الجامعیین، والملفت للنظر أن معظم رموز التکفیریین الجدد هم خریجوا أکبر جامعات العالم.
النزعة الإیدئولوجیة: هذه النظریة ترفض أی نقاش فی دائرة أفکارها وما تهتم بها، وبالتالی لا بد من شطب المعارض وطمسه.
نزعة المشاعر فی دائرة الدین: إن التکفیریین المعاصرین یتهمون الشیعة - عادة – بالتعصب، وأن لدیهم نزعة من المشاعر الدینیة، فیما یؤکد التیار التکفیری فی جمیع مواقفه على النزعة الشدیدة فی المشاعر الدینیة.
وفی ختام کلمته قال الدکتور سبحانی: ما إذا توفرت تلک المبادئ فإن التیار التکفیری یمکن أن ینشأ فی أی مجتمع کان، وبناءًا علیه نشاهد بأن الغربیین توصلوا فی دراساتهم أن التکفیر هو نسخة جدیدة من الدوغمائیة والجزمیة، وبالتالی یبدو أن ما نحتاج فی التصدی إلى قضیة الکتفیر هو الدور التربوی فی هذا المجال، ولیس تقدیم بحوثات ودراسات علمیة، بعبارة أخرى ما إذا کانت بیئة التربیة والأجواء مساعدة لنمو هذه القضیة فبالتالی تنشأ هذه الفکرة، کما وأن أهم مخاطر التیار التکفیر فی وقتنا الحاضر هو استعراض نفسه فی الساحة متزعماً بتجسید الشریعیة الإسلامیة، وإن تحدث التکفیر یوماً ما عن الخلافة الإسلامیة والجهاد، فإنّه الیوم غیّر لغته فی التحدث، مستخدماً قضیة الحضارة کأسلوب جدید فی کلامه، فعلینا أن نبیّن إن تأسیس الحضارة لا تناسب مع التکفیر هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن الإسلام یسلک منهجاً مخالفاً تماماً لمسیر التکفیر.
 
مصدر:المعهد العالی للعلوم والثقافة الإسلامیة

تاريخ الأخبار: 1395/4/3 پنجشنبه
مجموع الزيارات : 352 عدد مشاهدة اليوم: 1
[Control]
تعداد بازديد اين صفحه: 353
خانه | بازگشت | حريم خصوصي كاربران |
Guest (PortalGuest)


Powered By : Sigma ITID