المبادئ الانثروبولوجية للثورة الإسلامية بقلم: حجة الإسلام والمسلمين الدكتور نجف لك‏زايى(1)

المبادئ الانثروبولوجية للثورة الإسلامية
بقلم: حجة الإسلام والمسلمين الدكتور نجف لك‏زايى(1)

إنّ الأسئلة المطروحة في مجال الانثروبولوجيا تعتبر من الأسئلة الخالدة في علم الفلسفة السياسية، و الأجوبة على هذه الأسئلة تبيّن الفرق بين المذاهب و التيارات الفكرية في ميدان الفلسفة السياسية، علماً أنّ ترتيب هذه الأسئلة و طرحها في بداية هذه المقالة سيؤدي إلى بيان جوانب من أطراف البحث، و مع أنّ المجال لا يسمح للتعرّض بشكل تفصيلي لهذه الأسئلة في هذه المقالة، إلا أننا سنحاول طرح المقدار الذي يرتبط و سير البحث.

مقدمة

إنّ الموقف الذي يتخذه أي مذهب أو تيار فكري في مجال بحوث الانثروبولوجيا سيؤثر تأثيراً مباشراً على أفكاره و آرائه السياسية، فمثلاً إنّ الإجابة على بعض الأسئلة من قبيل: ما هو مبدأ وجود الإنسان و تكوينه؟ و ما هي ماهية وجوده و علاقاته؟، و ما هي غاياته و أهدافه؟ مهما تكن طبيعتها فإنّها بالتالي ستؤسس لنظام سياسي خاص.

إنّ المذهب أو التيار الفكري الذي يعتقد بأنّ مبدأ الإنسان هو مبدأ إلهي (إنا لله)، و التيار الفكري الذي يعتقد بأن مبدأ الإنسان هو مبدأ مادي سيكون لكل منهما نوع من الفكر و العمل السياسي الخاص به، و كذلك إذا اعتقد أحدهما بأنّ غاية الإنسان هي إلهية (إنا إليه راجعون)، و اعتقد الآخر بأنّها مادية، فسيكون لكل منهما ـ أيضاً ـ نوع مختلف من العمل السياسي.

وعلى هذا الأساس تعتبر نظرية هذه المقالة المرتكزة على مباني الانثروبولوجيا في الثورة الإسلامية من النظريات الخاصة.

بالإضافة إلى ذلك توجد أسئلة أخرى في مجال الانثروبولوجيا السياسية تتمتع بأهمية خاصة، و يمكن لنا ذكر بعضها فيما يلي:
1ـ هل أنّ ميول الإنسان فردية أم جماعية؟

المقصود هنا هو: هل أنّ خلقت الإنسان تقوّي لديه الرغبة إلى الحياة الفردية، كما يدعي الكثير من الفلاسفة الليبراليين، الذين تمسكوا بأصالة الفردية على أساس ذلك(2) أم أنّ خلقة الإنسان تقوّي لديه الرغبة إلى الحياة الاجتماعية، كما يذهب إلى ذلك أصحاب الفكر الماركسي.(3)

هل خُلق الإنسان سياسياً بطبعه أم غير سياسي؟

قال ارسطو: الإنسان مدني بالطبع. بمعنى أنّ الإنسان بطبيعته الأولية و بفطرته مدني و اجتماعي يحبّ التآلف و التعايش مع غيره، و يميل إلى السياسة، (4) بينما يعتبر مذهب أصالة الفائدة أنّ الإنسان موجود غير سياسي بل هو نفعي يميل إلى اللذة، و هذا هو الرأي الذي اشتهر به بنتهام.(5)

هل أنّ الإنسان حر بطبيعته، و مختار يميل إلى التعقّل، أم هو مجبور و لا يميل إلى التعقّل؟

لقد دافع بعض الأشخاص مثل هيجل في الفلسفة السياسية للغرب، و كذلك المعتزلة في الفلسفة الإسلامية عن النظرية الأولى، و دافع هابز و هو من رواد الفلسفة السياسية في الغرب، و كذلك الأشاعرة و هم من متكلمي المسلمين عن النظرية الثانية.(6) مع أنّ أغلب علماء الشيعة يدافعون عن النظرية المتوسطة بين هاتين النظريتين؛ أي نظرية "لا جبر و لا تفويض بل أمر بين أمرين".(7)

4ـ هل يطلب الإنسان الكمال أم لا يطلبه؟

إنّ هناك اختلاف أيضاً في طلب الكمال من قبل الإنسان و عدم طلبه؛ ففي حين يذهب أصحاب نظرية انارشيست إلى أنّ الإنسان هو موجود يحبّ الكمال، و يمكن له أن يتعرّف على الكمالات بعقله و دراسته، و يطوي طريق الكمال، نجد أنّ المسلمين يعتقدون بأنّ نقص العقل البشري من البديهيات، و لابد من وجود القيادة الإلهية من أجل الهداية نحو الكمال.(8)

كما توجد أمور مهمة أخرى تسترعي الانتباه في الفلسفة السياسية و تثير مجموعة من التساؤلات(8) من قبيل: هل أنّ أبناء البشر متآلفين أم مغتربين عن بعضهم؟، و ما هي عوامل التفرقة و الوحدة؟، و هل أنّ الأصالة للوحدة أم للفرقة؟، و هل أنّ الإنسان أفضل من سائر الموجودات أم لا؟، و هل أنّ الإنسان جزء من الوجود أو جزء متميز في عالم الوجود؟، و هل أنّ الإنسان مجبر على الفضيلة أم مختار؟، و ما هو الشرف المادي و المعنوي للإنسان؟، و ما هو دور الإنسان في عالم الوجود؟، و ما هي أبعاد وجود الإنسان؟، و ما هي الغرائز الإنسانية، و العقل و النفس، و القوى النفسانية، و المراتب النظرية و العملية للعقل، و الغاية من وجود الإنسان؟، و أمثال ذلك.

لكن لا يوجد مجال لطرح جميع البحوث المتعلقة بالأسئلة المطروحة في هذه المقالة، إلا إنني سأحاول أن أجيب على بعض التساؤلات المذكورة، على ضوء الآيات القرآنية و آراء الإمام الخميني (رض) باعتباره مؤسس الثورة الإسلامية، و آراء تلامذته باعتبارهم قاموا بشرح هذه الآراء.

إنّ أهم الميزات الموجود في الانثروبولوجيا الإسلامية في رأي الإمام الخميني (رض) اعتقاده بوجود الخصائص الذاتية و التكوينية للإنسان، إلى جانبها الخصائص الكسبية، الذي يستتبع وجود نوعين من الميل و هما الخير و الشر، و هذا ما سنناقشه في هذا البحث.

1ـ الخصائص الذاتية للإنسان

لقد اهتم الإمام الخميني (رض) في كتابه "الأربعون حديثاً" في ذيل الحديث الحادي عشر ببحث "فطرة الإنسان، و ذكر بأنّ الفطرة تعني الخلق.(10) و بيّن بأنّ الفطرة قد فُسّرت في الأحاديث الشريفة بتفاسير مختلفة، من جمتلها: التعبير عنها بالتوحيد، و بالإسلام و أمثال ذلك، لكن في رأي الإمام الخميني (رض) أنّ هذه الأحاديث هي من قبيل بيان المصداق، أو التفسير بأشرف أجزاء الشيء.

إنّ الفطرة المودعة في وجود الإنسان، هي لطف من الله تعالى أختص به الإنسان، أما بقية الموجودات فقد لا تكون لديها مثل هذه الفطرة، أو تمتلك مقداراً قليلاً منها.

فقبل أن نتطرّق لإحصاء أنواع الفطرة، علينا أن نصبّ اهتمامنا على خصائص الأمور الفطرية، و في رأي الإمام الخميني (رض) أنّ الخصوصية المهمة للفطرة هي أنّها مشتركة في جميع أبناء البشر، و تتغير بحسب تغير الأحوال و تغير الزمان و المكان و الحضارة، يقول (قدس): (لا بُدَّ أن تعرف بأنّ ما هو من أحكام الفطرة لا يمكن أن يختلف فيه اثنان، من ناحية أنّها من لوازم الوجود و قد تخمّرت في أصل الطبيعة و الخلقة؛ فالجميع، من الجاهل و المتوحش و المتحضر و المدني و البدوي، مجمعون على ذلك. و ليس ثمّة منفذ للعادات و المذاهب و الطرق المختلفة للتسلّل إليها و الإخلال بها. إن اختلاف البلاد و الأهواء و المأنوسات و الآراء و العادات، التي توجب و تسبّب الخلاف و الإختلاف في كل شيء، حتى في الأحكام العقلية، ليس لها مثل هذا التأثير أبداً في الأمور الفطرية).(11)

إنّ مباني الفطرة أدّت إلى أن يحكم علماء الشيعة بأحادية الذات الإنسانية، فإنّ الرأي الذي يذهب له علماء الشيعة هو أنّ جميع أبناء الإنسانية يشتركون بالفطرة.

بناء على ذلك، فإنّ الأصالة هي للتآلف و الوحدة و السلام بين أبناء الإنسانية، أما الاختلاف و الحرب و النزاع فهي أمور ثانوية تنشأ من الغفلة.

لكن العجيب هو أنّ مع عدم وجود اختلاف على الأمور الفطرية بين العالم أو غير العالم، إلا أنّ أغلب الناس غافلون عن كونهم متفقين، و يظنون بأنّهم مختلفون.

إذاً ما هو السبيل لحل الاختلاف؟ و كيف يمكن جعل البشرية تقترب من بعضها، و تبتعد عن التفرقة؟ إنّ الحل الذي قدّمه علماء الشيعة هو التوعية، بمعنى أنّ التوعية تقوم بتغيير سلوك الإنسان؛ إلا إذا تنبه إليها نفس الإنسان، و في مثل هذه الحالة يفهم الإنسان معنى الموافقة في صورة المخالفة.

والإستدلال الأساسي الذي يستند إليه الشيعة لإثبات المدعى السابق هو الآيات القرآنية الكريمة، فضلاً عن الروايات الشريفة، و من جملة ذلك الآية الكريمة من سورة الروم:

«فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ‏اللّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ»(12)

إنّ الفطرة الإلهية تعني الخلقة الإلهية، و طبيعة الإنسان التي خلقه الله عليها.

إنّ قوله تعالى "لا تبديل لخلق الله" يشير إلى خلود الفطرة و عدم إمكانية تغييرها، كما إنّ لفظ "الناس" تشير إلى شمول هذه الخلقة، حيث يشير المقطع الأخير من الآية إلى غفلة الناس عن هذه الخلقة المشتركة.

إذاً ما هي هذه الفطرة التي يتمتع بها كافة البشر؟

إنّ أهم أنواع هذه الفطرة، هي الفطرة القائمة على أساس المبدأ، و التوحيد، و استجماع كافة كمالات تلك الذات المقدسة، و الالتفات إلى المعاد و يوم النشور، و النبوة، و الالتفات لوجود الملائكة، و فطرة حب الكمال و الأمان و الحرية، و أمثال ذلك، حيث يعتبر البعض من هذه الأمور من أحكام الفطرة، و يعتبر البعض الآخر من لوازم الفطرة.

إنّ فطرة حبّ الكمال تدفع جميع البشر للسعي من أجل تحصيل الكمال، إلا أنّ المشكلة تكمن في الغفلة و الأهواء النفسية و سائر الأمور التي تؤدي إلى أن يرى الإنسان الكمال في الاختلاف، فالبعض من أهل الدنيا يعتبرون الكمال في ما يملكونه، و البعض من أهل العلوم و الصناعات يعتبرون الكمال في العلوم و الصناعة، أما أهل الذكر و الفكر و الآخرة فيعتبرون الكمال في شيء آخر، كما أنّ طلاب السلطة و الحكم، يعتبرون الكمال في السيطرة على الملك و الحكم.

إنّ أهم ميزات طلب الكمال تكمن في كون الجميع يسعى من أجل الكمال الذي لا يشوبه نقص؛ لذا عندما يصل أحدهم إلى مرحلة من مراحل الكمال، يحاول أن يصل إلى المرحلة التالية، إلا أنّه لا يوجد كمال مطلق إلا عند الله تعالى؛ و هذا يدل على أنّ جميع البشر هم في حالة سعي لطلب الكمال شاءوا أم أبو ذلك.

إنّ جميع الموجودات و كافة أفراد الأسرة البشرية تردد بلسان فصيح و بقلب واحد: نحن نعشق الكمال المطلق، و نحب الجمال و الجلال المطلق، و نحن نطلب القدرة المطلقة و العلم المطلق، فهل للإنسان أن يعثر بين جميع الموجودات ـ في الحقيقة أو في عالم التصور و الخيال و المجازات العقلية و الاعتبارية ـ موجوداً له كمال و جمال مطلق سوى الذات الإلهية المقدسة، مبدأ العالم و منشأ الوجود "جلّت عظمته"؟

بناء على ذلك فإنّ علماء الشيعة يوصون جميع الناس بمراجعة ذواتهم، و التطلّع إلى الكمال من مصدر الخير المطلق، و بدل أن يسعون نحو الكمال الوهمي يسعون نحو الكمال الواقعي و المعشوق الحقيقي.

أيها الذاهلون في وادي الحيرة، و أيها التائهون في صحراء الضلالة! كلا، بل يا فراشات شمع جمال الجميل المطلق، و يا عشاق المحبوب الكامل الأزلي، إرجعوا قليلاً إلى كتاب الفطرة، و تصفحوا كتاب ذواتكم، لتشاهدوا ما هو مكتوب بقلم القدرة و الفطرة الإلهية.

إنّ الفطرة تعني التنفر من النقص، و سير الإنسان نحو الكمال، و الرغبة في طلب الراحة و اجتناب الألم و المشقة و التعب.

إنّ الفطرة الداعية للحرية المطلقة و الرغبة في امتلاك أي شيء يريده الإنسان هي من أنواع الفطرة الإلهية التي لا يمكن تحققها في هذه الدنيا؛ لأنّ الآخرة هي محل الكمال الذي لا يشوبه نقص، و محل الراحة التي لا يقترن معها تعب، و مقر الطمأنينة و تمكن إرادة الإنسان من النفوذ إلى ما يرغب به الإنسان و يريده؛ و لذلك فإنّ حركة الإنسان من القوّة إلى الفعل، و من الجزء إلى الكل، و من النقص إلى الكمال، و من الهيولى إلى الصورة ـ كما يعبر فلاسفة المسلمين ـ هي حركة دائمة و متواصلة؛ بالرغم من أن الحجب مثل حجاب الجهل و الغفلة و الشيطان و أمثال ذلك تجعل بعض البشر يتجهون إلى الكمالات الوهمية.

مما تقدّم يمكن التوصل إلى النتائج التالية:
1ـ يتمتع الإنسان بخصائص ذاتية مشتركة و أبدية و شاملة.
2ـ إنّ الناس ليسوا غرباء عن بعضهم، بل إنّهم يميلون إلى التآلف و التعاون و الوحدة، و الإختلاف أمر جانبي و ظاهري.
3ـ إنّ التوعية تؤدي إلى الوحدة بين أبناء البشر.
4ـ إنّ الإنسان يسعى لطلب الكمال.
5ـ إنّ الكمال الحقيقي هو الكمال المطلق؛ أي ذات الباري تعالى المقدسة.
6ـ يجب أن يهتم السياسيون و القادة و كافة البشر بهداية الإنسان نحو الكمال المطلق، و نحو الاستفادة من موارد الفطرة المشتركة، كما أنّ التركيز على هذه التعاليم يعتبر من أهم الخصائص التي يجب أن تمتاز بها الحكومات الدينية و الإلهية.

كما يمكننا أن نستنتج من نظرية الفطرة ـ خصائص الإنسان الذاتية ـ النتائج التالية، علماً أنّ هذه النتائج مهمة جداً في مجال حياة الإنسان الاجتماعية:
1ـ إثبات خلود الدين الخاتم و ختم النبوة: فإذا كان الإنسان يتمتع بالقيم الثابتة و المشتركة، سوف يتمكن من طرح برنامج على أساس هذا الثبات و الاشتراك من أجل رشده و ازدهاره.
2ـ إضفاء الصبغة الدينية على الحقوق الطبيعية: إنّ الحقوق الطبيعية هي حقوق مشتركة بين أفراد الإنسانية؛ أي يتمتع الإنسان بالحقوق التي يعتبر الإنسان بسببها إنساناً، و بناء على كون نظرية المعرفة تذهب إلى وجود طبيعة مشتركة و سامية لدى جميع أبناء البشر، فإنّ ذلك سيكون من المباني الأساسية لهذه الحقوق، و حلاً مناسباً لتبيين و تجديد حدود هذه الحقوق.
3ـ إيجاد الحلول للنسبية الأخلاقية: إنّ نظرية الفطرة تثبت القيم الثابتة و المشتركة لدى جميع البشر، بحيث يمكن أن تكون قاعدة لثبات أحد المذاهب الأخلاقية.
4ـ نظرية الفطرة لها دور مؤثر في بحوث التربية و التعليم، و يمكن أن تكون مصدراً للإلهام في مجال فلسفة التربية و التعليم الديني.
5ـ إنّ نظرية الفطرة توضح لنا فطرية الحسن و القبح بشكل جيد.
6ـ إنّ نظرية الفطرة، تعتبر حاجة الإنسان للدين أمراً فطرياً، و في الواقع إنّ الإنسان بدون الدين، يتعرّض إلى فراغ أساسي في حياته، و لكون هذه النظرية تفتح مجالاً للسؤال عن منشأ حاجة الإنسان للدين، فسيكون الإنسان الفاقد للدين إنساناً ناقصاً.
7ـ على أساس نظرية الفطرة، تعتبر الرغبة في المعرفة و الميل للخلود من الرغبات الأساسية و الفطرية لوجود الإنسان؛ فهي بالإضافة إلى إثباتها التوحيد و واجب الوجود، تُثبت المعاد أيضاً؛ لأنّ الإنسان إذا لم يفكّر بوجود حياة خالدة، فسوف يزول وجود مثل هذا الميل الموجود في أعماقه.
8ـ يمكن لنا بواسطة هذه النظرية تبيين تديّن الإنسان على مر التاريخ.
9ـ يمكن مواجهة مذهب التشكيك و النسبية عن طريق هذه النظرية؛ لأنّ معارف الإنسان الفطرية ـ البديهيات ـ و القواعد الأساسية للمعرفة سوف يتم تأمينها بواسطة هذه النظرية.
10ـ بالإضافة إلى ما تقدم فإنّ من خلال هذه النظرية يمكن تقديم المذهب الفردي على المذهب الجماعي.(13)

2ـ الخصائص الاكتسابية للإنسان

إنّ الإنسان يمكن أن يحوز على خصائص اكتسابية، فضلاً عما يمتلك من خصائص ذاتية، و إنّ أهمية الخصائص الاكتسابية تكمن في كون الإنسان يتمكن من خلال هذه الخصائص اتخاذ القرارات لحياته و سلوكه الفردي و الاجتماعي، و العمل على ضوء ذلك.

إنّ أمام الإنسان طريقان: الصراط المستقيم، و الصراط غير المستقيم، فالإنسان يمكن أن يكون موجوداً إلهياً و ملكوتياً، و يمكن أن يكون موجوداً شيطانياً و جهنمياً.

إن الإنسان كائن عجيب، لا يماثله أي من المخلوقات و الموجودات التي خلقها الله عزّ و جل، فهو أعجوبة يمكنك أن تصنع منها موجوداً إلهياً ملكوتياً، و يمكنك أيضاً أن تصنع منها موجوداً جهنمياً شيطانياً. هذه الخصوصية و هذا الفارق بين الفرد الكامل و الفرد الجهنمي الناقص لا نلحظه عند الموجودات الأخرى غير الإنسان، الذي اختصه الله بها و جمع فيه كل صفاته المقدسة عندما خلقه، فكل شي‏ء فيه، فمن هذا الموجود ظهر النبي الأكرم (ص) و جميع الأنبياء (ع)، و من هذا الموجود ظهر أبو جهل و جميع أمثال أبو جهل و ما بين هذين النموذجين ما لا يُعلم من النماذج البشرية.(14)

إنّ الطريق المستقيم هو طريق واحد، أما الطرق غير المستقيمة فهي متعددة، و إنّ التربية عامل يساعد الإنسان على الحركة نحو طريق الله و الصراط المستقيم.

الإنسان على خلاف الحيوانات يمتلك استعداداً و قابلية للتربية غير محدودة، و الإنسان يختلف عن الحيوانات في الادراكات و في غايات الادراكات. إنّ إدراكات الحيوانات محدودة، و لكن ادراك الإنسان و استعداده للتربية غير متناهية.(15)

إنّ سبب عدم محدودية الإنسان في مجال التربية، كون الإنسان ليس محدوداً بالطبيعة المادية و الدنيوية، بل إنّه يتمتع بأبعاد روحية و معنوية و ببعد ما وراء الطبيعة، و لو كان الإنسان في حدود الطبيعة و لم يكن أكثر من ذلك، لما كانت هناك حاجة لإرسال الوحي من عالم الغيب لتربيته، فتربية الإنسان لا تعتمد على إدراكات الإنسان وحده؛ لأنّ إدراكات الإنسان محدودة بعالم الطبيعة، مع أنّ أبعاد الإنسان الوجودية ليست محدودة بالمادة و الطبيعة.

ولما كان للإنسان ما وراء الطبيعة كما تدل على ذلك البراهين الفلسفية الثابتة، فلابد أن له عقلًا مجرداً بالامكان أن يصير مجرداً تاماً بعد ذلك، و لابد للذي يربي هذه الصورة المعنوية في الإنسان أن يكون له علم حقيقي بتلك الناحية و معرفة بالعلاقات الموجودة بين الإنسان و بين تلك الجهة، و لا يملك البشر ذلك. و إنّما يستطيع الإنسان أن يدرك هذه الطبيعة، و لكنه مهما حاول فلا يمكن مشاهدة ماوراء الطبيعة بالمكبّرات! و بما أن هذه العلاقات خفية عن الإنسان و لا يعلمها إلا الله تبارك و تعالى الذي خلق كل شي‏ء فإنّه يعلم هذه العلاقات، و لذلك يوحى لعدد ممن اتّصفوا بالكمالات المعنوية و صارت لهم علاقات مع عالم الوحي، فيُبعثون لتربية الناحية الثانية في الإنسان و يُرسلون إلى الناس لتربيتهم. (16)

إنّ ما أكدت عليه الفقرة السابقة من وجود بعدين للإنسان، و ضرورة بعثة الأنبياء (ع) من أجل تربية الإنسان، مستنبط من القرآن الكريم و له دليل قرآني، و هنا سنتعرض للآيات المتعلقة بكلا بعدي الإنسان و تربيته من قبل الأنبياء (ع).

يمكن لنا التعرّف على مجموعتين من الآيات تتعلق بالإنسان؛ الآيات التي اعتبرت الإنسان موجوداً كريماً و أفضل المخلوقات، و الآيات التي ذمّت الإنسان، و اعتبرته إنساناً ضالاً و وضيعاً، بل احتسبته أضل من الحيوانات.

3ـ الإنسان أفضل المخلوقات.

إنّ الإنسان هو خليفة الله في الأرض، قال تعالى:
«وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ ‏يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لاتَعْلَمُونَ» (17) (18)

إنّ الإنسان يتمتع بقابليات علمية كبير تفوق حتى الملائكة، قال تعالى:
«وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ‏الْحَكِيمُ * قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ‏ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ»(19)

كما تقدّم آنفاً، إنّ الإنسان مفطور على معرفة الله، و هذه المعرفة مودعة في أعماقه، قال تعالى: «وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِينَ»(20)

4ـ إنّ الإنسان يتمتع بالأبعاد الروحية الإلهية فضلاً عن العناصر المادية.

«الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلَقَهُ وَ بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ ‏مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوّاهُ وَ نَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ»(21)

5ـ يتمتع الإنسان بالكرامة الذاتية، فلا تضاهيه أغلب المخلوقات بهذه الفضيلة.

«وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً»(22)

6ـ الإنسان يتحرك نحو الله:

«يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ»(23)

إنّ جميع نعم الأرض خُلقت من أجل الإنسان:

«هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً»(24)

8ـ خُلق الإنسان من أجل عبادة الله:

«وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلّا لِيَعْبُدُونِ»(25)

الإنسان الضال الوضيع

لقد وصفت بعض آيات القرآن الكريم الإنسان بأنّه موجود سلبي و وضيع، بل وصفته بعض الآيات بأضل من الحيوانات، و فيما يلي نذكر جملة من هذه الآيات.
1ـ الإنسان الذي لا يشكر النعمة:

«وَ إِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَ نَأى بِجانِبِهِ وَ إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ»(26)

2ـ طغيان الإنسان عندما يستغني

«إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى»(27)

3ـ الإنسان مغرور و فخور:

«وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ‏ فَخُورٌ»(28)

4ـ كما ذُكرت للإنسان صفات أخرى من قبيل: ظلوم، كفور، هلوع، جزوع، منوع، كما جاء في قوله تعالى:

«إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ»(29)

«إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ»(30)

«إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً»(31)

«إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَ إِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً»(32)

بناء على ذلك، فإنّ الإنسان من جهة يعتبر خليفة الله في الأرض، يتمتع بالفطرة الإلهية، و الحرية، و الاستقلال، و التحكم بالطبيعة، و الأرض و السماء، و يمتلك قدرة علمية لا متناهية، و يتمتع بالشرف و الكرامة الذاتية؛ و من جهة أخرى يمتلك بعض الخصائص السلبية الأخرى من قبيل: عدم الشكر، و الطغيان، و الفخر، و الظلم، و التدني إلى أقل من مستوى الحيوان.(33)

لقد كانت هناك تفاسير مختلفة حول البُعدين التي يمتلكهما الإنسان، فآية الله جوادي أملي على ضوء التعاليم المقتبسة من تفسير العلامة الطباطبائي يعتقد أنّ تكوين الإنسان و وجوده يشتمل على قسمين من العناصر: العناصر الفطرية التي تتضمن الخصائص الإلهية و المعنوية للإنسان، و على أساس هذا القسم يمكن تطبيق الأوصاف الايجابية لوجود الإنسان؛ و العناصر الطبيعية الناجمة عن طبيعة الإنسان و المتضمنة للغرائز الإنسانية و الخصائص المادية للإنسان، و هذا هو القسم من وجود الإنسان الذي يجعل أبناء البشر يسخّر بعضهم بعضاً، و على أساس هذا القسم يمكن تطبيق الأوصاف السلبية من وجود الإنسان.(34)

ويعتقد محمد تقي جعفري بوجود نوعين من الذات: الذات الطبيعية و الذات الإنسانية، و الحياة الطبيعية للإنسان يمكن توضحيها على أساس الذات الطبيعية، و الحياة الإنسانية للإنسان يمكن توضحيها على أساس الذات الإنسانية، فالإنسان من الجانب الطبيعي يميل إلى المال و المنفعة الدنيوية، كما قال تعالى:

«إِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ»(35)

«وَ تُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا»(36)

فالإنسان يريد أن يهرب من الضرر(37)، و يعيش حياته بالمكر و الخداع(38)، علماً أنّ النفس تشير إلى هذه الذات الطبيعية التي تقتضي الصلاح و الفساد.

إنّ قوله تعالى «كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ»(39) يبيّن جيداً حيادية النفس أو الذات الطبيعية؛ و بعبارة أخرى قابلية النفس للصلاح و الفساد.

وعلى هذا الأساس يحتاج الإنسان إلى التربية ليتمكن من التحرّك نحو الصلاح(40)، فإذا قام الإنسان بهداية حياته الطبيعية نحو الصلاح، فإنّ هذا يعني أنّه يقوم بمساعدة الفطرة الإلهية المودعة في نفسه على الرقي.

إنّ صدر المتألهين في أحد عباراته المهمة يعتقد بوجود درجات و مراتب متنوعة و متعددة للإنسانية، فهو يعتقد أنّ الإنسان خُلق و له قابليات ذات صور مختلفة؛ بناء على ذلك، يمكنه أن يقترب من الله ليسمو إلى منزلة أرفع من منزلة الملائكة، و يمكن أن ينحط إلى مستوى أسفل من مستوى الملائكة.

إعلم أنّه لا يوجد أي نوع من أنواع الموجودات يعيش حالة الاختلاف كما يوجد بين أبناء البشر؛ و ذلك لأنّ المادة الإنسانية خُلقت و هي تمتلك استعداداً يمكن لها من خلاله الانتقال من أي صورة من الصور إلى صورة أخرى، و الاتصاف بأي صفة من الصفات، كما أنّ لها القابلية على الارتقاء من حد البهيمية إلى أعلى درجات الملائكة المقربين، فإنّ بعض البشر من هو في رتبة البهائم و يمتلك نفساً شهوانية، و منهم من هو في رتبة السباع و نفسه النفس الغضبية و منهم من كان في منزلة الشياطين و منهم من كان من نوع الملائكة و لكل من هذه الأجناس الأربعة أنواع كثيرة غير محصورة.(41)

ويذهب الأستاذ المطهري في تحليله إلى نوعين من الذات: الذات العلوية الطالبة للكمال، و الذات السفلية الحيوانية(42)، و قد ذهب سائر علماء الشيعة في تحليلاتهم أيضاً إلى وجود هذه الإزدواجية في الإنسان في مرحلة الخصائص الاكتسابية.

إنّ الإنسان يتمتع من ناحية فطرته بخصائص ذاتية مشتركة و هي الفطرة الإلهية، في الوقت الذي يمكن أن يكون أمامه في مرحلة الخصائص الاكتسابية ما لا يقل عن ثلاثة طرق و هي: طريق الفطرة، و طريق الطبيعة، و طريق الشيطان، و أحياناً ترجع جميع هذه الطرق إلى طريقين فقط، و هما: طريق الله و طريق الشيطان؛ أي طريق الجنة و طريق النار، أو طريق الإنسانية و طريق الحيوانية.

وأعتقد أنّ هذا من إبداعات الشيعة، حيث فصلوا الخصائص الاكتسابية عن الخصائص الذاتية أولاً، و اعتبروا الخصائص الذاتية للإنسان نابعة من الفطرة الإلهية الثابتة الغير قابلة للتغيير، حتى أنّ البعض من علماء الشيعة فسّروا آية الهجرة بهجرة الإنسان من النفس الحيوانية و الشيطانية إلى الله تعالى، فإنّ الإمام الخميني (رض) في تفسير الآية الشريفة: «وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللّهِ» قال:

يوجد بعض الأشخاص الذين فرّوا من ظلمة النفس، و هاجروا منها... أحد الاحتمالات هو أنّ هذه الهجرة هي من النفس إلى الله و "البيت" هنا هو نفس الإنسان فهناك طائفة خرجوا و هاجروا عن هذا البيت الظلماني {مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ} إلى أن وصلوا إلى منزل: "أدركه الموت" وصلوا مرتبة لم يعد لهم فيها شيء من أنفسهم موت مطلق و عندها "وقع أجرهم على الله".

ومن خلال تفسير سورة الحمد، و الاستفادة من الآيات الكريمة الأخرى، يمكن لنا الاستنتاج بأنّ الإنسان على أساس خصائصه الاكتسابية يواجه ثلاثة طرق، و هي:
1ـ الصراط المستقيم: إهدنا الصراط المستقيم.
2ـ صراط الضالين: و لا الضالين.
3ـ صراط المغضوبين: غير المغضوب عليهم.

وهذا المخطط نفسه نستطيع أيضاً أن نطرحه بالشكل التالي:

الصراط المستقيم: مسيرة الأنبياء و الأولياء و الشهداء و الصالحين.

صراط الضالين: الحركة على أساس الميول الطبيعية و الحيوانية.

صراط المغضوبين: طريق الشيطان و الطواغيت و المستكبرين و المفسدين.

ومن هنا تبدأ نقطة الصفر، أو النقطة التي يكون فيها الإنسان في مرحلة (بالقوة)، مع أنّه في حالة حركة نحو الوصول إلى الفعلية و التحقق.

الهبوط صراط المغضوبين

لقد أوضح الإمام الخميني (رض) طريق سير الإنسان بشكل واضح حيث قال:

إنّ الإنسان يقف على مفترق طريقين: هما طريق الإنسانية الذي هو الصراط المستقيم، أحد طرفي الصراط المستقيم في الطبيعة، و الآخر عند الألوهيّة، فهو طريق يمتدّ من العلق، فبعضه طبيعي، و إنّ المهمّ منه هو الإراديّ، فالإنسان مختار في انتخاب أحد الطريقين، فإمّا أن يختار صراط الإنسانية المستقيم، أو ينحرف نحو اليسار أو اليمين.(44)

لقد أعتبرت الفقرة السابقة أنّ نقطة الصفر هي الوضع الطبيعي للإنسان، باعتبار أنّ الإنسان يتمتع بالحياة الحيوانية، كما أشارت إلى كون هذا الإنسان يواجه طريقين، و هو مختار في انتخاب أحد هذين الطريقين؛ و عليه فإنّ الإنسان في ميدان الخصائص الاكتسابية هو بالخيار في أن يتحرك نحو الله أو يتحرك نحو الشيطان؛ لذلك فإنّ الإنسان الذي لا يزكي نفسه يكون سبباً للكثير من المشاكل.

إنّ كل الخلافات الموجودة في البشر هي لأنّ النفوس لم تزك. فغاية البعثة هي تزكية الناس، فبواسطة التزكية يتعلمون الحكمة و يتعلمون القرآن و الكتاب أيضاً، و إذا تزكت النفوس فلن يحدث الطغيان، فالشخص الذي زكى نفسه، لا يعتبر نفسه مستغنياً أبداً و إن الإنسان ليطغى، أن رآه استغنى، عندما يرى نفسه و يعتبر لنفسه مقاماً و يقول بعظمة نفسه، فإن هذه الرؤية لنفسه هي سبب الطغيان.(45).

إنّ أساس جميع الحروب هو عدم التزكية و أنانية الإنسان؛ و لذلك فإنّ المؤمنين لا يمكن أن يتحاربون بينهم.

فإنّ جميع هذه المصائب التي تحل بالإنسانية ناشئة من هذه النقاط من "أنانية الإنسان" جميع الحروب في هذا العالم من هذه الأنانية، فما من حرب و نزاع بين المؤمنين.(46)

على هذا الأساس كانت رسالة الإسلام و تعاليمه قائمة على بناء الإنسان:

جاء الإسلام أساساً لبناء الحياة، و نظره لبناء الإنسان. الجهاد من أجل الحياة حياة الإنسان نفسه، و هو مقدّم على كل جهاد. لذا سمّاه الرسول الأكرم الجهاد الأكبر. فالجهاد عظيم إذن و مشكل، و كل الفضائل تأتي بعده. الجهاد الأكبر هو جهاد الإنسان لنفسه الطاغوتية.(47)

بناء على ما تقدّم يمكن لنا التوصل إلى النتائج التالية:
1ـ إنّ الإنسان يمتلك صفات اكتسابية بالإضافة إلى ما يتمتع به من صفات ذاتية.
2ـ يوجد أمام الإنسان سبل متعددة، جميعها تؤدي إلى الكمال المطلق؛ لذا ينبغي للإنسان أن يتعرّف على هذه السبل، و يختار طريق الكمال المطلق من بينها.
3ـ إنّ الأنبياء و الرسل (ع) بُعثوا من أجل بيان طريق الكمال الحقيقي للبشرية.
4ـ إنّ بناء الإنسان هو الهدف الأساسي للإسلام؛ لذلك سمّى الرسول (ص) سعي الإنسان من أجل بناء نفسه بالجهاد الأكبر.
5ـ لا شك و لا ريب إنّ المذاهب و التيارات الفكرية التي تعتقد بالتعاليم المذكورة آنفاً، تعتبر أنّ أهم أهداف الحكومة و الحياة السياسية على صعيد السياسة و الحكم هو السعي من أجل بناء الإنسان و تزكيته و نجاته من ظلمة النفس.
6ـ إنّ هناك ضرورة لمواجهة موانع الوصول إلى الكمال الإنساني، و هذه المواجهة لها بعدان؛ فردي و جماعي، فإذا كانت المواجهة لموانع الكمال على المستوى الفردي، فسيطلق عليها الجهاد الأكبر، و الجهاد الأكبر هو سعي كل فرد من أجل وضع الفضائل مكان الرذائل، و إنّ أهم أنواع هذه الرذائل هو التكبر و الأنانية و إتباع أهواء النفس، و أما إذا كانت المواجهة لموانع الكمال على المستوى الجماعي فسيُطلق عليها الجهاد الأصغر، و الجهاد الأصغر هو السعي من قبل الحكومة إلى جانب الشعب من أجل مواجهة موانع الكمال على المستوى الجماعي، سواء كان ذلك على الصعيد المحلي أو على الصعيد الدولي.
7ـ إنّ الثورة الإسلامية هي نتيجة تغييرية تحققت من قبل الجميع على أساس الشعور الباطني للإنسان الإيراني المسلم، و هي تحول من باب الجهاد الأكبر، و نتيجة و ثمرة للجهاد الأكبر في عالم الحقيقة و الحياة الخارجية، تحققت من قبل الوجود الإنساني الذي أدى إلى سقوط الحكومة السلطوية، و تشكيل الجمهورية الإسلامية عن طريق الثورة الإسلامية.

الهوامش
1ـ أستاذ جامعي في قسم العلوم السياسية، جامعة باقر العلوم (ع).
2ـ ر.ك: آربلاستر، ظهور و سقوط الليبرالية في الغرب، ترجمة عباس مخبر.
3ـ ر.ك: حسين بشيريه، الأفكار السياسية في القرن العشرين، الأفكار السياسية الماركسية، طهران، دار "ني" للنشر، 1376 ش.
4ـ ارسطو، السياسة، ترجمة حميد عنايت، كتاب جيبي، طهران، 1364 ش.
5ـ من أجل مطالعة أفكار أصحاب أصالة الفائدة، ر.ك: خداوندان انديشه سياسى، امير كبير، طهران.
6ـ أنظر نظرية هيجل في كتاب: العقل في التاريخ، ترجمة حميد عنايت، و كذلك أنظر نظرية هابز في كتاب: لويتان، ترجمة ‏حسين بشيريه، و من أجل مطالعة نظرية المعتزلة و الأشاعرة ر.ك: جعفر السبحاني، بحوث فى الملل و النحل.
7ـ حديث عن الإمام الصادق ‏عليه السلام رواه الشيخ الكليني في أصول الكافي، كما نقل هذا الحديث أيضاً عن الإمام علي‏ عليه السلام في كنز العمال، ج 1، ص 349.
8ـ للمطالعة أنظر إلى نظرية انارشيست‏ في كتاب: حاتم قادري، الأفكار السياسية في القرن العشرين، و من أجل مطالعة رأي الإمامية أنظر كتاب خواجه نصيرالدين الطوسي، التجريد و الاعتقاد.
9ـ ر.ك: غلن تيندر، الفكر السياسي، ترجمة احمد صدري، دار نشر العلم و الثقافية، طهران.
10ـ الإمام الخميني (رض) فسّر الفطرة بمعنى الخلقة و ذلك بالاستناد إلى رأي أهل اللغة و التفسير.
11ـ إنّ تمام البحث المتعلق ببحث الفطرة و الخصائص الذاتية للإنسان تمّ اقتباسه أو نقل من المصدر التالي: الإمام الخميني (رض)، الأبعون حديثاً، الحديث الحادي عشر، مؤسسة تنظيم و نشر آثار الإمام الخميني (رض)، ص 179 ـ 187.
12ـ سورة الروم، الآية 30.
13ـ تفصيل هذه النتائج جاء في كتاب الفطرة للشهيد مرتضى مطهري.
14ـ صحيفة النور، ج‏13، ص221.
15ـ المصدر السابق، ج 4، ص125.
16ـ المصدر السابق، ج 4، ص126.
17ـ سورة البقرة، الآية 30.
18ـ كما جاء التأكيد أيضاً في آيات أخرى على خلافة الإنسان الإلهية، و من جملتها الآية 165 من سورة الأنعام.
19ـ سورة البقرة، الآية 31 - 33.
20ـ سورة الأعراف، الآية 172. كما جاء التأكيد على ذلك أيضاً في آيات أخرى من قبيل الآية 173 و كذلك الآية 30 من سورة الروم، المذكورة فيما سبق في بحث الفطرة.
21ـ سورة السجدة، الآية 9 - 7.
22ـ سورة الإسراء، الآية 70.
23ـ سورة الانشقاق، الآية 6.
24ـ سورة البقرة، الآية 29.
25ـ سورة الذاريات، الآية 56.
26ـ سورة فصلت، الآية51.
27ـ سورة العلق، الآية 7 ـ 6.
28ـ سورة هود، الآية 10، و كذلك الآية 12 من سورة يونس و الآية 54 من سورة الكهف.
29ـ سورة إبراهيم، الآية 34.
30ـ سورة الحج، الآية 66.
31ـ سورة المعارج، الآية 19.
32ـ سورة المعارج، الآية 22 - 21.
33ـ اعتمدنا في تدوين هذا القسم على الكتب التالية: الإنسان في القرآن، لمرتضى مطهري؛ مصير الإنسان، لعلى شيرواني، الإنسان في الإسلام، لعبدالله جوادى آملى؛ الإنسان في أفق القرآن، للأستاذ محمد تقي جعفري، الإنسان في نظر الإسلام، لاحمد واعظي.
34ـ عبدالله جوادى آملى، الشريعة في مرآة المعرفة. ما تطرق له آية اللَّه جوادى آملى في بحث «نظرية الاستخدام».
35ـ سورة العاديات، الآية 8.
36ـ سورة الفجر، الآية 20.
37ـ سورة الروم، الآية 33؛ سورة الزمر، الآية 8.
38ـ سورة يونس، الآية 21 ؛ سورة الأنفال، الآية 30.
39ـ سورة المدثر، الآية 38.
40ـ محمد تقي جعفري، الإنسان في أفق القرآن، ص 14 - 25.
41ـ صدر المتألهين الشيرازي، الحكمة المتعاليه فى الاسفار العقلية الأربعة، ج 7، ص 184.
42ـ مرتضى مطهرى، الفطرة.
43ـ الإمام الخميني (رض)، تفسير سورة الحمد، ص 28 - 29.
44ـ صحيفة النور، ج 8، ص 255.
45ـ المصدر السابق، ج 14، ص 308.
46ـ الإمام الخميني (رض)، تفسير سورة الحمد، ص 30.
47ـ الإمام الخميني (رض)، صحيفة النور، ج8، ص 236.

منبع:

تاریخ خبر: 1398/6/7 پنجشنبه
تعداد بازدید کل: 12 تعداد بازدید امروز: 1
[Control]
تعداد بازديد اين صفحه: 13
خانه | بازگشت | حريم خصوصي كاربران |
Guest (PortalGuest)


Powered By : Sigma ITID